الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

31

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقعت فيه غفلات . ويجوز أن يكون الاختلاف بين المعلل والعلة بالعموم والخصوص أي يريد اللّه أن يحق الحق في هذه الحادثة لأنه يريد إحقاق الحق عموما . وأما قوله : وَيُبْطِلَ الْباطِلَ فهو ضد معنى قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ وهو من لوازم معنى ليحق الحق ، لأنه إذا حصل الحق ذهب الباطل كما قال تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء : 18 ] ، ولما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر . ومن لطائف عبد اللّه بن عباس أنه قال لعمر بن أبي ربيعة : كم سنّك فقال ابن أبي ربيعة ولدت يوم مات عمر بن الخطاب ، فقال ابن عباس : « أي حق رفع وأيّ باطل وضع » أي في ذلك اليوم ، ففائدة قوله : وَيُبْطِلَ الْباطِلَ التصريح بأن اللّه لا يرضى بالباطل ، فكان ذكر بعد قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ بمنزلة التوكيد لقوله لِيُحِقَّ الْحَقَّ لأن ثبوت الشيء قد يؤكد بنفي ضده كقوله تعالى : قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [ الأنعام : 140 ] . ويجيء في قوله : وَيُبْطِلَ الْباطِلَ من معنى الكلام ، ومن جناس الاشتقاق ، ما جاء في قوله : أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ ثم في مقابلة قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ - بقوله - وَيُبْطِلَ الْباطِلَ محسن الطباق . وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ شرط اتصالي . و لَوْ اتصالية تدل على المبالغة في الأحوال ، وهو عطف على يُرِيدُ اللَّهُ ، أو على لِيُحِقَّ الْحَقَّ أي يريد ذلك لذلك لا لغيره ، ولا يصد مراده ما للمعاندين من قوة بأن يكرهه المجرمون وهم المشركون . والكراهة هنا كناية عن لوازمها وهي الاستعداد لمقاومة المراد من تلك الإرادة ، فإن المشركين ، بكثرة عددهم وعددهم ، يريدون إحقاق الباطل ، وإرادة اللّه تنفذ بالرغم على كراهة المجرمين ، وأمّا مجرد الكراهة فليس صالحا أن يكون غاية للمبالغة في أحوال نفوذ مراد اللّه تعالى إحقاق الحق : لأنه إحساس قاصر على صاحبه ، ولكنه إذا بعثه على مدافعة الأمر المكروه كانت أسباب المدافعة هي الغاية لنفوذ الأمر المكروه على الكاره . وتقدم الكلام على لَوِ الاتصالية عند قوله تعالى : وَلَوِ افْتَدى بِهِ في سورة آل عمران [ 91 ] وقوله تعالى : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً في سورة البقرة [ 170 ] .